أخبار عاجلة
أبرز المباريات العربية والعالمية.. اليوم -
«الأرصاد»: طقس دافئ.. والعظمى 28 -
الماركا : فرصة فينسوس أمام خيتافي -
بيدريرول : التعاقد مع بوجبا سيكون معقدًا -
خطة ريال مدريد لسوق الانتقالات الصيفية -

هل تؤيد عودة العلاقه الخليجيه السوريه؟

الإستفتاءات السابقة

في رسالة جريمة نيوزيلندا

في رسالة جريمة نيوزيلندا
في رسالة جريمة نيوزيلندا

لا يزال حدث جريمة قتل مصلّين في مسجدين في نيوزيلندا الأكثر إثارة للجدل والنقاش، وهذا طبيعي، فهو في المقام الأول حادث إرهابي بشع. وعلى الرغم من وقوع جرائم إرهابية أو جرائم تطهير عرقي تستهدف مسلمين في العالم، مثل ما يحدث في ميانمار أو الصين أو الهند، إلا أن بشاعة الجريمة في نيوزلندا تضاعفت مع الفيديو الذي التقطه الإرهابي، ويشبه، إلى حد كبير، لقطات كثيرٍ من ألعاب الفيديوجيم الشهيرة التي يلعبها ملايين الشباب، وزادت من البشاعة تلك اللقطات الحية للقتل بلا رحمة للمصلين الأبرياء الذي كل ذنبهم أنهم مسلمون.

كانت اللقطات صادمة، وتنوعت ردود الأفعال في حينها. دان أغلب العالم الخطاب الذى تتبنّاه التيارات اليمينية المتطرفة في الغرب، وذلك الخطاب الذي يحرّض، طول الوقت، ضد من يعتبرونهم غزاةً من المسلمين أو العرب المهاجرين، فالإرهابي منفذ العملية كان قد أعلن تأثره بشخصياتٍ يمينيةٍ متطرفة، في مقدمتها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. أما ردود الأفعال في الوطن العربي والشرق الأوسط فكان بعضها عجيبا، فقد كان هناك من ركز خطابه على إبراز أن هذا الشخص غربي مسيحي، وأن الإرهاب ليس صفةً لصيقة بالإسلام فقط، وكأنه احتفاء ضمني بمثل هذا الإرهاب القادم من الغرب، حتى يستطيع أن ينفي تهمة الإرهاب عن الإسلام. في المقابل، هناك من حاول تبرير ذلك الحادث الإرهابي، زاعما أن اليمين المتطرّف في الغرب معذور، وله الحق فيما يفعل، بسبب ما يعانيه المجتمع الغربي من عملياتٍ إرهابيةٍ، يقوم بها المسلمون واللاجئون العرب في الدول الأوروبية.
إنه بالتأكيد إحساسٌ مفجعٌ أن يتم قتل هؤلاء الأبرياء بدون جريمة، بغض النظر عن الخطاب المتطرف هنا وهناك، قتل على الهوية، قُتلوا فقط لأنهم مسلمون يعبدون الله في أمان، نحن نشعر بذلك الآن، لأننا مسلمون وعرب، تربطنا صلة ما بالضحايا. ولكن على كل من يحمل
"الإرهابي كان قد أعلن تأثره بشخصياتٍ يمينيةٍ متطرفة، في مقدمتها دونالد ترامب"
 مشاعر إنسانية أن يشعر بالأسى حيال ضحايا أي حادثٍ إرهابي. وعليه أن يقدر ويستوعب مشاعر أهالي الضحايا، أيا كانت ديانتهم وجنسيتهم، مسلمون أبرياء في مسجد أو ضحايا تفجيرات في الكنائس والمعابد، أو ضحايا الدهس في أوروبا، وهناك كتابات كثيرة متخوفة من رد الفعل الانتقامي، يقوم به أحد التنظيمات الجهادية، ثم رد فعل مضاد من المتطرّفين في الغرب، وتستمر الدائرة المفرغة.
يبعث على الإعجاب الشديد رد الفعل النيوزلندي على الحادث الإرهابي، فعلى الرغم من تهديدات اليمين المتطرّف لرئيسة الوزراء، جاسيندا أرديرن، إلا أنها لم ترضخ، وكانت هناك حالة تضامن عظيمة، ارتدت الحجاب، وتم رفع أذان الصلاة في وسائل إعلام نيوزيلندا. كان الخطاب الرسمي للحكومة يقول للمسلمين أنتم جزء من نيوزلندا، وما حدث كان خطأ كبيرا. عندنا كذلك في بلادنا مظاهر تضامن مع المسيحيين بعد العمليات الإرهابية وتفجير الكنائس. وهناك أيضا استهجان من المتطرّفين لدينا لمظاهر التضامن مع الضحايا المسيحيين، يشكّكون دوما في حقيقة وجود إرهاب، ويلقون اللوم على السلطة فقط، بأن تفجير الكنائس من ترتيب الحكومة، وبعضهم في مجتمعاتنا للأسف يعلن حالة الشماتة والفرح، عندما يتم قتل أقباط في مصر، بسبب دورهم في دعم نظام الحكم الحالي، ولكن كل من لديه عقل يعلم جيدا أن إطلاق العنان لمشاعر التطرّف والطائفية سيؤدي إلى هلاك الجميع.
هلل بعضهم عندنا لأداء رئيسة وزراء نيوزيلندا وإدانتها الحادث الإرهابي، وارتدائها الحجاب، وقراءتها آياتٍ من القرآن الكريم في أثناء حديثها، وكل ذلك التعاطف الذي أظهرته للمسلمين، ثم أهال بعضهم عليها التراب، عندما شاهدوا صور تغطيات تضامنها مع المثليين، ومطالبتها بحقوقهم. ربما بدأت أصواتٌ هللت لها، في البداية، في مهاجمتها، بعد نشْر صور تضامنها مع تظاهرات المصلين، متناسين أنها تتصرّف بمبادئها، طبقاً لمشاعر وتصرفات إنسانية، تحتّمها عليها القيم الديمقراطية الغربية العلمانية.
صحيحٌ أن أنظمة الحكم العلمانية لا تفرّق بين المواطنين طبقا للجنس أو الدين أو الرأي. ولكن، في الوقت نفسه، من الخطأ اعتبار الإنسانية حكراً على العلمانية، كما تزعم بعض أصوات "الأصولية العلمانية"، فجوهر الأديان، في الأساس، هو الإنسانية. والمشكلة ليست في الدين، ولكن في التطبيقات والتفسيرات المتعصبة المتطرّفة له، فإذا كانت هناك حروب وصراعات دموية حدثت على مدار التاريخ باسم الدين، ونصرة الرب بين الأديان المختلفة، أو بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد. ولكنْ هناك أيضا حروب أكثر دمويةً وبشاعةً محسوبة على العلمانية الغربية. ولذلك ليست الإنسانية حكرا على الثقافة الغربية، أو المسيحية أو العلمانية، كما يحاول أن يروّج بعضهم، وليس الإرهاب والدموية والوحشية صفة لصيقة بالمسلمين والعرب فقط كما يحاول أن يروّج بعضهم.
بالتأكيد، في الغرب متطرفون، ويزداد عدد أنصار اليمين المتطرّف في الغرب مع الوقت للأسف. ويزداد كذلك تأثير الخطاب اليميني وانتشاره لأسباب سياسية في المقام الأول، حيث يتم استغلال قضية المهاجرين وزيادة الإسلام في أوروبا، عندنا كذلك. توجد نسبة ضخمة من التطرّف والتعصب، تزداد أيضا كل يوم عن ذي قبل، وينتشر الفكر المتطرّف بأشكال مختلفة.
الفرق أن الخطاب المتطرف في الغرب يبقى مذموما، محصورا، يتم بذل مجهود كبير لمقاومته وحصاره في المجتمعات الغربية. اسمه هناك خطاب يميني وأحيانا يكون محظورا، لقد تعلموا من الدرس بعد الحرب العالمية الثانية، فالأفكار الفاشية والنازية كادت أن تدمر أوروبا والعالم كله، في النصف الأول من القرن العشرين. أما عندنا، فللخطاب المتطرّف الأفضلية، يستخدمه
"من الخطأ اعتبار الإنسانية حكراً على العلمانية، كما تزعم بعض أصوات "الأصولية العلمانية""
 الحكام، وله جمهور ضخم في المجتمع. للخطاب اليميني والمتطرّف أشكال وصور كثيرة، لا يقتصر على الفاشية الدينية، فهناك فاشية عسكرية، وأشكال عديدة للفاشية، ويوجد خطاب فاشيّ يحض على كراهية الآخر أيضا تحت شعاراتٍ برّاقة، مثل القومية والوطنية، أو حتى الحفاظ على الدولة، حتى المعارضة عندنا أحيانا تلجأ أيضا للخطب الشعبوية التحريضية في سبيل مواجهة الخطاب الفاشي للسلطة.
في سياق آخر، ولكن مرتبط، هناك تصريحاتٌ سعيدةٌ لترامب، وبعض زعماء أوروبا، تزفّ البشرى للعالم بالقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على يد "قوات سورية الديمقراطية"، أعتبرها إعلامية وسياسية، فهم أول من يعلم أنه، حتى ولو انهزم داعش تنظيما، ولم يتمكّن من إقامة دولته المزعومة، فإن الفكرة التي لها مئات آلاف الأتباع في العالم تبقى. فعلى الرغم من هزيمته، ظل تنظيم القاعدة في أفغانستان ينفذ العمليات الإرهابية في العالم وقتا طويلا، وما "داعش" إلا نتاج هزيمة تنظيم القاعدة (جغرافيّا) وتشتته، وتطور الفكرة إلى ما هو أكثر وحشية. ولذلك هناك تخوفات مشروعة من إقدام مجموعات تابعة للفكر الجهادي بتنفيذ عمليات انتقامية للرد على الحادث الإرهابي في نيوزيلندا. ولذلك كل مجهودات ومبادرات التهدئة والحوار بين الثقافات والأديان محمودة ومهمة من وجهة نظري، بشرط أن تكون صادقة ومتواصلة، وألا تكون صورية، أو بغرض امتصاص الغضب أو تحويل الأنظار، فعلى الرغم من أن التضاد بين المصالح هو المحرّك الرئيسي للصراعات على مدار التاريخ، وأن الصدام والصراع لن يتوقفا بين الأمم أو الأيدولوجيات والأفكار المختلفة، أو بين المؤسسات أو القبائل أو جماعات المصالح. وعلى الرغم من أن فكرة السلام العالمي قد تكون خيالية وغير واقعية في مناهج كثيرة، إلا أن من الضروري أن تستمر الإسهامات الفكرية والمبادرات الجادة والمجهودات المتواصلة التي تُعلي من قيم التسامح، وإمكانية العيش المشترك، وإدارة الصراع بشكل سلمي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عبدالملك المخلافي: السلام الزائف يؤدي الى استمرار الحروب و يجعل كلفة الحرب أعلى
التالى "ابن الشعب": حين تقتل السلطةُ الحب